الشيخ محمد رشيد رضا

166

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

باباحتها . وقد فات هذا صاحب الموافقات مع أنه من فقهاء مذهب مالك . وسنعود إلى مسألة السباع في تفسير الآية الآتية وجملة القول إن اللّه تعالى أكمل الدين بالقرآن وبيان نبيه ( ص ) للناس ما نزل إليهم فيه ، فما صح من بيانه لا يعدل عنه إلى غيره وما بعد سنته نور يهتدى به في فهم أحكامه للعالم بلغته مثل اجماع الصحابة أو عمل السواد الأعظم منهم وممن تبعهم في هداهم ، فمن رغب عن سنتهم ضل وغوى ، ولم يسلم من اتباع الهوى ، واما ما توسع فيه بعض المصنفين في الفقه بعد الصحابة والتابعين من احكام العبادات والحلال والحرام بدعوى القياس الشرعي فهو ينافي اكمال الدين ويسره ورفع الحرج منه ، وقد أنكر بعض أئمة العلماء هذا القياس وخصه بعضهم بما عدا العبادات ، وفي معناها الحلال والحرام ، على أنهم يستنبطون من عبارات شيوخهم فيجعلونها كنصوص الشرع ، وان لم تضبط بالرواية كما ضبطت نصوص الشرع ، ويعدون تعليلاتهم كتعليلات الكتاب والسنة ، فيجعلونها دليلا على الاحكام ومدارا للاستنباط ، بل صاروا يقدمونها على الكتاب والسنة ، فما وافقها منهما جعلوه دليلا لها ، وما خالفته منهما أوجبوا العمل بها دونهما ، فصارت أحكام الدين المستنبطة على هذه الطريقة ، أضعاف اضعاف الاحكام المنصوصة ، وهجر الكتاب والسنة لأجلها . فهل يتفق هذا مع الاعتقاد بأن اللّه أكمل الدين بكتابه ، وبينه بسنة رسوله ( ص ) ؟ أما القياس الصحيح ، وما نيط منه بأولي الأمر من المؤمنين ، فقد بيناه في تفسير ( 4 : 58 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) « * » وسيأتي لهذه المباحث مزيد في تفسير « لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » من هذه السورة ان شاء اللّه تعالى والمختار عندنا في اكمال الدين ما قاله ابن عباس وتبعه عليه الجمهور من أن المراد بالدين فيه عقائده وأحكامه وآدابه ، العبادات وما في معناها بالتفصيل ، والمعاملات بالاجمال ونوطها بأولي الامر . ويدخل فيه ما اختاره ابن جرير من أمر الحج دخولا أوليا بقرينة الحال ، وأمر القوة واكتفاء أمر المشركين قد علم من قوله

--> ( * ) راجع المسألة السادسة من المسائل التي أوضحنا بها تفسير الآية في ص 210 والمسألة العاشرة في ص 217 من جزء التفسير الخامس أو في المنار ، ان لم تطالع تفسير الآية كله